السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
484
مفاتيح الأصول
إجماعية ولقوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة واتفق الكلّ على أن ما يظنّ به الهلاك غير الشّرعي والإجماع على أن الضرر في هذا الموضع جار مجراه وفي غاية البادي في خبر الواحد أما العقل فهو أن خبر الواحد موجب لدفع ضرر مظنون وكل ما كان كذلك فهو واجب بيان الصغرى أن العدل إذا أخبر حصل ظن وجود الأمر وإذا ضم هذا الظن إلى ما علم من أن المخالف للأمر يستحق العقاب حصل ظن العقاب وبيان الكبرى أن العقل يحكم بامتناع العمل بالمرجوح وبالراجح والمرجوح معا فيبقى العمل بالراجح وهو المطلوب وفي حاشية شرح المختصر لجمال الدّين الخوانساري وقد يستدل أيضا على وجوب العمل بخبر الواحد بأنه إذا ورد أمر بشيء كغسل الجمعة مثلا فنقول إن ذلك الأمر مطلق لا تخصيص له بشخص دون شخص أو حالة دون أخرى فيدل على وجوبه مطلقا ووجوب الشّيء مطلقا يستلزم العقاب على الترك كذلك أي مطلقا غير مقيد بقيد فحينئذ نقول قد حصل لنا من الخبر الوارد بوجوب غسل الجمعة مثلا الظن بوجوبه مطلقا ووجوبه مطلقا مستلزم للعقاب على تركه كذلك والظن بالملزوم مستلزم للظَّن باللَّازم فثبت الظن بضرر التّرك ورفع الضّرر المظنون واجب عقلا فوجب الإتيان بالفعل دفعا لذلك الضّرر وفي رسالة لبعض الفضلاء من أصحابنا وأفاد بعض أفاضل المحققين زيد توفيقا ما حاصله أنه كما يحكم العقل السليم بوجوب الحذر عن المخوفات القطعية يحكم بوجوبه عن المخوفات الظَّنية عند انتفاء طريق القطع فما يدل دليل ظني على وجوبه أو على حرمته وانسدّ طريق القطع إلى أحدهما يجب فعل الأوّل وترك الثاني بمقتضى العقل لحصول ظن الخوف من ترك الأول وفعل الثاني كما هو مقتضى الوجوب والحرمة الإيلام الواقع في بليّة بترك أمر أو بفعل أمر يظن انجراره إليها أم تختص الملامة بوقوع بلية ظنية دنيوية ولا يلام بفعل أمر مثلا يظن انجراره إلى بلية هي أشدّ منها وإذا قام مع قدرته على اجتناب هذا الفعل وهل يصحّ معذرته عن التشنيع بإلقاء نفسه إلى بليّة ظنية بأنه إنما يجب الاجتناب عن الفعل الذي يعلم انجراره إلى البليّة وأمّا عند ظن الانجرار فلا فظاهر أنّ وجوب العمل بالظن في الواجب والحرام مما يحكم به العقل إلا أن يبيّن الشارع عدم وجوبه أو عدم جوازه مثل بيانه عدم جواز العمل بالقياس فلعلّ وجه المنع أن استنباط العلة التي هي سبب الحكم وكونها علة بدون مدخلية المحلّ استنباط ضعيف يكون وقوع الغلط فيه أكثر وإن حصل الظنّ للناظر البصير بقانون القياس فوجب على الشارع منع العمل به وأمّا ما لم يمنع فيجب العمل بالظن بحسب حكم العقل وفي رسالة جدي رحمه الله في الاستصحاب سلمنا القطع لكن نسلَّم في موضع لم يتحقق الظن بالتّكليف إذ العقل يحكم بوجوب دفع الضّرر المظنون البتّة فكيف يحكم بعدم العقاب والضرر البتة انتهى وفي الإحكام قالوا قد ثبت أن مخالفة أمر الرّسول صلى الله عليه وآله سبب لاستحقاق العقاب فإذا أخبر الواحد بذلك عن الرسول صلى الله عليه وآله وغلب على الظنّ صدقه فإمّا أن يجب العمل بالاحتمال الراجح والمرجوح أو تركهما معا أو العمل بالمرجوح دون الرّاجح أو بالعكس لا سبيل إلى الأوّل والثاني والثالث فلم يبق سوى الرّابع انتهى ومحصّل ما ذكروه أن الأمارات الظَّنّية الَّتي هي محلّ البحث إذا لاحظها المكلَّف يحصل له منها الظن بالضّرر وكلّ ضرر مظنون يجب دفعه أمّا المقدمة الأولى فلوجوه الأوّل أنّه لا ريب في أنّه إذا ظن بوجوب فعل أو حرمته حصل له الظنّ بلازمهما لأن الظن بالملزوم يستلزم الظَّن باللازم كما أنّ العلم بالملزوم يستلزم العلم باللَّازم ومن الظاهر أن لازم الأمرين ضرر لظهور أن من لوازم الواجب استحقاق العقاب على التّرك ومن لوازم الحرام استحقاق العقاب على الفعل وذلك ضرر عظيم في الغاية فإن المضار الأخروية أشدّ وأعظم من المضار الدّنيويّة الثاني أنه إذا ظنّ بوجوب شيء أو بحرمته ظن باشتمال الفعل والتّرك على منفعة عظيمة دنيوية أو أخروية ومن الظاهر أن فوتها ضرر الثالث أنّ ذلك ممّا شهد به جماعة من المحققين الخبيرين منهم العلَّامة في النّهاية والتهذيب والمبادي وابنه فخر الإسلام في الإيضاح والسيد عميد الدّين في المنية وغيرهم ممّن يتمسك بالقاعدة المذكورة على حجيّة خبر الواحد والقياس وغيرهما من الظنون الرابع ما ذكره في الإيضاح من شهادة الوجدان بذلك وأما المقدّمة الثانية فلوجوه أيضا الأول أنا نجد أن العقل لا يفرق بين الضرر المعلوم والضّرر المظنون في وجوب دفعه وفي أنه لو لم يدفعه من غير عذر يكون مرتكبا للقبيح ومذموما عقلا ولذا يلتزم بترك الطَّريق الَّذي يظن فيه السّبع واللَّص والحيات والعقارب وغير ذلك من المؤذيات وكذا يلتزم بترك الطعام والشراب اللَّذين يظن بوجود السّم فيهما وبالجملة نلتزم من جهة العقل بالاجتناب عن كلّ مظنون للضرر الثاني أنا نجد العقلاء قديما وحديثا على الالتزام بدفع الضّرر المظنون ومن تتبع أحوالهم وما يحكى عن السّلف منهم يقطع بما ذكرناه وما ذلك إلا لحكم العقل الصحيح بلزوم دفع الضّرر المظنون ومع ذلك فقد صرّح المحققون بذلك ومن جملة ما فرعوا عليه وجوب معرفة الباري تعالى وغير ذلك كما أشير إليه في جملة من الكتب ففي الشّوارق قال في بحث وجوب النظر في معرفة اللَّه عزّ وجلّ عند شرح قول المصنف لوجوب ما يتوقف عليه العقليّان اختلفوا في أنه هل هو واجب عقلا أم شرعا فذهب المعتزلة إلى الأول واختاره المصنف والأشاعرة إلى الثاني وأمّا وجوب المعرفة فإجماعي من الأمة واستدلَّت المعتزلة